الصراع على مصر


الصراع على مصر

الصراع في مصر الان هو بين ثلاث مشاريع مستقبلية، كلٌ يهدف لصياغة رؤية و مشروع وهوية لمستقبل مصر، و ربما المنطقة. ربما تثير التسميات الكثير من الخلاف، لكنها، رغم ما تشمله من تعميم، اقرب للواقع: المشروع الاسلامي و المشروع الليبرالي و المشروع القومي.

المشروع الاسلامي هو مشروع الاخوان الذي ولد بعد سقوط الخلافة الاسلامية ممثلة في الدولة العثمانية، و ما مثله ذلك من صدمة لشعوب عاشت تحت او قرب مظلة الخلافة الاسلامية لما يزيد عن ثلاثة عشر قرنا، و فجأة فقدت هذا الإطار ووجدت نفسهاتحت احتلال غربي في إطار دويلات “وطنية” و تقسيماتها العشوائية التي فتتت المجتمعات و القوميات التي عاشت تحت الدولة العثمانية (الأكراد هم أسوأ مثل لهذا لتقسيم العشوائي). المشروع الاسلامي يهدف لعودة هذا الإطار الذي يعلي الهوية الاسلامية فوق الهويات الوطنية المختلفة؛ فالمصري المسلم اقرب للعراقي المسلم (السني) عن القبطي المصري او الكلداني العراقي. كذلك يري اصحاب هذا المشروع ان الاسلام دين و دولة، تحكم بشرع الله الذي يفسره عالم الدين (أستاذية العالم او ولاية الفقيه) و التي تعلو علي التشريعات الوضعية. يرفع راية هذا المشروع جماعة الاخوان المسلمين بكل فروعها في العالم، و كذلك حركات شبيهة كحركة الجولان في تركيا، و ربما ساندهم الكثيرون من السلفيين و ان اختلفو معهم في الكثير.

المشروع الليبرالي هو مشروع نخبة متعلمة و مستغربة بالأساس. بدأ هذا المشروع مع دولة محمد علي في مصر، و التي أرسلت البعثات التعليمية للغرب لتتعلم فيه و تقتبس منه. و بدأت كذلك في نفس القرن محاولات عدد من سلاطين الدولة العثمانية لإصلاحها و تطويرها أيضاً للحاق بالغرب. في البداية كان الهدف هو العلوم العسكرية ثم العلوم المدنية، لكن سريعا ما تحول تأثير الغرب للثقافة و الفلسفة و الآداب و الفنون و القانون و غيرها مما يمس حياة الناس. لكن اكثر هذه الأفكار تحديا و خلافا مع المشروع الاسلامي هو مبدأ علمانية الدولة و فصل الدين عن الدولة. مع مرور الوقت و الانفتاح علي الغرب، بدأت الأفكار الليبرالية من الحريات الشخصية و حقوق الانسان و المرأة و الديمقراطية الليبرالية و القوانين الوضعية، و كذلك الكثير من العادات و التقاليد الغربية، بدأت تنتشر علي المستوي الشعبي. لكن هذا الانتشار ظل ضحلا او نخبوياَ في الأغلب. شهدت مصر حقبة ليبرالية في ما بين الحربين العالميتين، كان فيها الكثير من التنظير و البحث عن هوية جديدة بعد سقوط الخلافة و الانفتاح علي الغرب، لكن هذه الحقبة لم تنجح في انتاج مشروع “اسلام ليبرالي” او إصلاحي يخلفها، بل علي العكس، أنتجت مشروع مناهض لها في شكل جماعة الاخوان المسلمين.

المشروع القومي غالبا ما جاء علي يد قائد عسكري قوي أتي للحكم في زمن ضعف و تفتت للدولة، و استطاع ان يستعيد السيطرة علي زمام الأمور و بناء خطاب شعبوي يوحد اغلب قطاعات الشعب خلف مشروع قوي و عدو مشترك يراه الشعب و الجيش كخطر داهم. هذه كانت دولة محمد علي التي تلت حكم المماليك و الاحتلال الفرنسي  و بدأت دولة قومية قوية بعد مذبحة القلعة. و كذلك كانت دولة عبد الناصر بعدما قضت علي الملكية و الأحزاب و جيشت الدولة ضد المشروع الصهيوني. و كذلك كانت دولة اتاتورك بعد الهزيمة في الحرب العالمية الاولى و احتلال اجزاء من تركيا ثم القضاء علي بقايا الدولة العثمانية. و الأمثلة الأخري كثيرة.

بعد ثورة ٢٥ يناير و نهاية حكم مبارك مررنا بتجربة تاريخية فريدة في مصر أسرعت فيها وتيرة الزمن فرأينا فيها المشاريع الثلاثة في ثلاثة سنوات. عاشت مصر ملامح مشروع ليبرالي في الشهور القليلة التي تلت الثورة، أراد فيها الشعب الحرية و علا صوت المشروع الليبرالي. لكن فشل الليبراليين في خلق كيان تنظيمي يقبض بزمام السلطة سريعا، أدي الي عدم قدرتهم علي اعتلاء الحكم. إحقاقا للحق، جزء كبير من هذا الفشل يعود لتأمر الاخوان و النظام السابق، لكنه ما يزال فشلا. تلا ذلك اعتلاء الاخوان لحكم مصر و حملهم لراية المشروع الاسلامي ثم سقوطهم السريع و المدوي. ثم تلا ذلك صعود الجيش و الخطاب الشعبوي الذي يروج للمشروع القومي الان.

ما يلي ما يزال غامضا. لكن لو صدقت نبوءات التاريخ و الواقع الحالي، سيكون المشروع القومي هو أساس النظام القادم. الاحتمال الاخر، و الأقل احتمالا هو حدوث أزمة اقتصادية طاحنة تؤتي بالنظام و تقدم لثورة شعبية جامحة وعميقة لا يعرف مداها الا الله، و لا اريد ان أفكر فيما يليها.

المشروع القومي يحظي بدعم الأغلبية الصامتة في مصر و تقوده المؤسسة العسكرية، و أعداؤه هم الاسلام السياسي ممثلا في الاخوان المسلمين، و أيضاً التيار السلفي، حتي و ان لم يبد اعتراضا ظاهرا الان؛ و كذلك التيار الليبرالي الحقوقي، و الذي رغم تأييده و مساندته لخلع الاخوان، الا انه سريعا ما سيعود لمبادئه و مشروعه.

ما ذا يعني المشروع القومي الان؟ عدة خصائص بدأنا نري من مظاهرها الكثير، مثل:

– الحاجة لقائد قوي ذو خلفية عسكرية و كاريزما شعبية، و هو ما نراه في مطالبة الكثيرون للفريق السيسي بان يترشح لرئاسة الجمهورية.

– و الحاجة لعدو ظاهريخلق حالة من الخوف و يتم تعبئة المجتمع ضده، و هو ما وفره الاخوان المسلمون بغباء سياسي منقطع النظير. و كذلك ما نراه في المنطقة من مأساة إنسانية في سوريا و فوضوي سياسية في اغلب بلدان المنطقة.

– و خطاب إعلامي شعبوي جهوري يعلو علي اي صوت اخر، و هو أيضاً ما نراه الان في وسائل الاعلام المختلفة.

الأنظمة القومية ربما تأتي بألوان مختلفة. منها العاقل الشبيه بفرنسا التي أسسها ديجول: دولة رئاسية قوية تهيمن علي الاقتصاد و تحدد مساحة واضحة للسياسة و تحترم الحريات و تمجد الهوية الوطنية علي ما عداها. و منها الفاشي الشبيه بشيلي في عهد بينوشيه و التي امتلأت سجونها بالتعذيب و دفع فقراءها ثمن الإصلاح والنمو الاقتصادي غاليا. اختيارات النظام تعتمد علي حكمة قياداته، و كذلك علي قوة مقاومة أعداؤه.

لو صدقت نبوءات التاريخ، فالفريق السيسي سيظل حاكم مصر القوي لفترة طويلة، اما من وراء حاكم مدني ضعيف او مؤقت، او (ربما في دورة انتخابية تالية) كرئيس للجمهورية. و في هذا النظام، سيكون التركيز علي بناء اقتصاد قوي قوامه اقتصاد حر منفتح لكن تحت “توجيه” و مساندة قوية من الدولة و ربما في وجود احتكارات تحت سيطرة او إدارة متقاعدي الجيش. النظام السياسي سيكون متعددا، و لكن تحت حدود صارمة لما هو مسموح و متاح، بالذات للإسلام السياسي. الكثيرون ممن يصممون النظام السياسي الجديد في مصر ينظرون لتركيا الثمانينات كنموذج لما تحتاجه مصر الان. نظام كهذا سيري الليبراليين كمصدر ازعاج و لكن ليس كعدو؛ و سيري الاسلام السياسي كعدوه الرئيسي، حتي وان حاول احتواء السلفيين سياسيا اتقاء للمواجهة معهم.

أمين المصري

3 اكتوبر 2013

Advertisements
Aside | This entry was posted in Egypt and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to الصراع على مصر

  1. Very accurate analysis, but don’t you see that we’re going straight back to square one.. We’re thriving towards another authoritarian era despite the pros you’ve listed.. We need to educate our youth on the values of true democracy, tolerance, respect and debate. It will all change if we change our education system and our own perspective about the objective of educating our children.. I may agree that Egypt needs a strong leader to stirr the wheel, especially in view of the rapid international variables; nevertheless another dictatorship (whether a Religious Fascist one or a Military one) couln’t be the only way out from the swamp our IGNORANCE brought us in the very heart of it. Be well ya Amin and keep up the good work.

    • aminelmasry says:

      Dear Ahmed, thank you for your comment. I completely agree with you. what I wrote is my analysis of what “is happening or may happen” – rather than what “I want to see happening”. I want to see a liberal democratic Egypt with an open society and broad freedoms and social justice; and I would work towards that as much as I can. What is happening in real life is different! It is the sum of the actions of the different actors, including the MB, army, liberals, salafis, US, EU, Qatar, Saudi, etc… Each works towards their project, and life arbitrates among us.
      The only point that i would add is that regardless of what anyone wants, we need to understand the possible scenarios and adapt to them, even if we don’t like them.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s