هل يمكن ان يكون هناك مشروع اسلام ليبرالي؟؟


هل يمكن ان يكون هناك مشروع اسلام ليبرالي؟؟

ابن رشدعندما نستمع لقصص الأنبياء نجد ان حياتهم غالبا ما كانت جهادا ضد مجتمع محافظ و سلطوي يرفض الأفكار التي جاؤا بها من احترام للإنسان و حريته و أهمية العدالة و الحق و نبذ العبودية و المطالبة بحقوق المستضعفين و حقوق المرأة و اغلب ما نسميه الآن بالحقوق المدنية. عندما نقرأ تاريخ الاسلام نجد ان كل إنسان مسؤول امام ربه و مُسائل عن عمله ( المسؤولية الفردية) و له كافة الحريات بما فيها حرية العقيدة و الرأي و الملكية و الخصوصية الخ. و عندما نقرأ تاريخ المسيحية نجد الدفاع عن حقوق المستضعفين و الفقراء و النساء.

(سوف اركز كلماتي علي الاسلام و المسيحية، لكن نفس القصة تنطبق علي اغلب الديانات الشائعة، بما فيها الديانات غير الإبراهيمية كالبوذية)

كل هذه الأفكار بمنطق زماننا الحالي هي أفكار ليبرالية!! (liberal/progressive)

ليبرالية بمعني انها تخالف ما كان سائداًمن تقاليد و عادات و ديانات اغلب الناس عندما نزلت و تتحدي المجتمع في ان يراجع تقاليده و يغيرها. ليبرالية بمعني انها تحرر الانسان من قيود المجتمع التاريخية و تعطيه حرية الاختيار و معها مسؤولية ما ينتج عن اختياره في الدنيا و الاخرة. ليبرالية بمعني انها تساوي بين البشر أيا كانوا، وتعلي مباديء الحرية و المساواة و العدالة و الحق.

هذا ما جاء به الأنبياء في زمانهم، كيف اصبح الدين الآن علي النقيض من كل ما جاء به الأنبياء؟؟

الأديان و الحركات الدينية في عصرنا، أيا كان الدين، غالبا ما تصنف تحت كلمة “المحافظين او الأصوليين” (fundamentalist /conservative) و هي كلمة غالبا ما تعني الذين يتمسكون بأصول دينهم التاريخية حرفياً و ينظرون لزمن أنبياءهم كحالة مثالية يريدون العودة اليها. و كلما زادت الأصولية كلما زاد التشبث بمظاهر الدين و أصوله الحرفية في كل نواحي الحياة. أصبح الدين يدعو الي طاعة ولي الامر و محاربة الحقوق و الحريات الشخصية و فرض رؤي ضيقة و تفسيرات عقيمة كل هدفها هو السيطرة علي عقول الناس (و أموالهم) و فرض أسلوب حياة معين عليهم.

لو جاء محمد او عيسي بن مريم عليهما أطيب السلام، لو جاءا يدعوان أهل هذا الزمان في مصر او السعودية او ايران او غيرهم من بلاد المسلمين لكان اول من رجمهم او طعنهم او قتلهم هم اكثر الناس تدينا و تسلفاً و لتبعهم  اغلب عامة الناس.

هذا ما نحن فيه الان، كيف أصبح الدين الان علي النقيض من كل ما جاء به الأنبياء؟؟

ببساطة، بعد رحيل كل نبي، سريعا ما اكتشف الحكام شعبية الدين و تأثيره علي الناس، فأمموه و استولوا عليه و جعلوه احد أعمدة الدولة و النظام. فعلتها الامبراطورية الرومانية مع المسيحية، و فعلتها الدولة الأموية مع الاسلام. اصبح الدين دين الدولة لا دين الشعب. اصبح اداة سيطرة و قهر لا اداة تحرير و تغيير. أصبح محكوما بوسطاء بين العبد و ربه، يرشدونه للجنّة و يتدخلون في أخص خصوصيات حياته. هكذا تحول الدين سريعا لأداة قمع في يد الدولة، اي دولة.

في الغرب، واجهت مسيحية الدولة الكثير من الحركات الإصلاحية والتي نتجت عنها العديد من المذاهب المتمردة علي سطوة الكنيسة و احتكار الدولة لها، مما أدي لتطور الكنيسة و انفتاحها (الي حد ما) و دخول مفهوم الدولة العلمانية الغربي و فصل الدولة عن الكنيسة. اما مسيحيو الشرق فغالبا ما لم يلحقوا بنفس التطور الفكري، فظلت الكنيسة القبطية اقرب منها للسلفية، خاصة في الجوانب الاجتماعية (باستثناء بعض الكنائس كالإنجيلية و غيرها ممن انفتحوا علي التيارات الإصلاحية الغربية او تأثروا بها).

يعارض الكثيرون في الشرق المسلم الأفكار العلمانية الغربية، و لهم في ذلك حق لاختلاف الديانات و التاريخ و الثقافات. لكن، ان كنا لا نريد العلمانية الغربية، فهل يمكن لأهل الفكر الاسلامي اخراج مشروع و فكر إسلامي ليبرالي، بالمعني المذكور أعلاه؟ هل نجد بعض العقلاء الذين يمكن ان يجددوا الفكر الاسلامي في مضمون عصري يواكب المكان و الزمان؟

كانت هذه احد اكبر نقاط البحث و النقاش بين علماء مصر و شيوخها المجِددين في مصر في الحقبة الليبرالية في أوائل القرن العشرين، و كانت هناك أفكار كثيرة جيدة، لكم لم يكتب لها ان تُجمع في مشروع حضاري واضح الهوية. فهل يمكن ان نبدأ الان في بناء مشروع اسلام ليبرالي؟؟

عمليا، ماذا اعني بهذه الكلمة – “مشروع اسلام ليبرالي”؟

اعني به الكثير…. هذا بعضه:

اولا: العودة للاجتهاد و إعادة تفسير النصوص من أصولها لتلائم الزمان و المكان الذي نعيشه الآن. لكل مكان و زمان خصائصه، و ما يصلح في السعودية قد لا يصلح في العراق، و ما يصلح من الف عام غالبا لا يصلح الآن. و هذا يشمل أيضاً الانفتاح علي المذاهب المختلفة و اختيار الأنسب منها، ان لم يكن اجتهادا جديدا.

ثانيا: التفرقة بين ما هو من أصل الدين و ما هو من عادات العرب في زمن الرسول. لو عاش محمد (ص) في زماننا هذا لأكل مما نأكل و شرب مما نشرب و لبس مما نلبس و لكانت معركته مع الظلم و القهر و الفقر و القبح. فهل لنا ان نفرق بين ما دعا اليه الدين من مبادئ لا يطالها الزمان او المكان، و بين ما كان موجها من احكام وقتية لبدوٍ غلاظ يعيشون في صحراء مكة منذ أربعة عشر قرنا من الزمان؟

ثالثا: الأخذ بمقاصد الشريعة. فإن كان الاسلام قد احل العبودية لكنه جفف مصادرها كي ينهيها علي مر الزمن، فهل ان جاء هذا الزمن الذي تحرم فيه العبودية نصر عليها لانها وردت في كثير من القران؟ ام نحقق ما أراده القران من مباديء و لو بعد حين؟ هذا المنطق يفتح بابا واسعا للتغيير دائماً ما يقاومه الفكر المحافظ لانه يؤدي لكثير من الأفكار التي غالبا مايكفرونها.

رابعا: اعادة التدقيق في الأحاديث و إخضاعها لأدوات العلم من لغة و تاريخ نعلمه الان و لم يعلمه رواتها ومحققيها. يعتبر اغلب ان لم يكن كل العلماء ما جاء إلينا من إسناد لأحاديث الرسول (ص) كأنه قران، مع ان رواة الأحاديث جمعوا مئات الآلاف من الأحاديث بعد زمن الرسول بعقود و اختارو منها ما دلهم علم زمانهم علي صحتها. فهل لنا ان نعود لدراسة هذه النصوص التي تحكم اغلب ما نعيشه من الدين الآن، و نخضعها لما جد به العلم (بالتأكيد علي أيدي علماء الأزهر او من يماثلهم علماً و ثقة)؟ طه حسين حاول محاولة شبيهة في ان يخضع الشعر الجاهلي للتحليل بما كان يعلمه من علوم زمانه ووجد الكثير من التناقضات التاريخية و اللغوية. لكنه كاد ان يدفع حياته ثمنا لما كتبه، رغم انه لم يقرب النصوص الدينية، و لكنه فتح باب اخضاع النص للتحليل التاريخي و اللغوي. (راجع كتابه: في الشعر الجاهلي).

خامسا: هل لنا ان نكون اكثر تواضعا مع من يختلف معنا في الرأي او المذهب او العقيدة، و لا ندعي او نعتقد انا نمتلك الحقيقة كاملةً؟  كثيرون من الدعاة و الشيوخ يتحدثون بثقة و تعالي كأن الوحي يأتيهم و ليس كأنهم بشر يجتهدون فيصيبون او يخطئون. أساس التقدم الحضاري هو تعدد الأفكار و تجددها و كذلك حرية الانسان في اعتناق ما يشاء من الفكر او العقيدة.

سادسا: هل لنا ان نفهم المجتمع الدولي الذي نعيشه الان و مدي ترابطه و تأثيره. فإذا كنا نطالب دول العالم باحترام حقوق المسلمين الذين يعيشون علي أراضيها كأقليات او مهاجرين او زوار، فهل لنا ان نطبق نفس المعايير علي أنفسنا و بلادنا و نحترم حقوق غير المسلمين من أقليات او مهاجرين او زوار؟ مثلا: ان كنا نطالب بحق بناء المساجد في فرنسا او سويسرا او الصين، فهل لنا ان نقبل بحقهم في إقامة كنائسهم و معابدهم و ممارسة حقوقهم و شعائرهم الدينية في بلادنا؟ بل ان كنا نريد ان ندعو للإسلام في بلادهم فهل نقبل ان يدعو لغير الاسلام في بلادنا؟ هل لنا ان نتخطى مفهوم دار السلم و دار الحرب و نفهم ان اغلب دول العالم الان متعددة الديانات و بها الكثير من المسلمين و غيرهم، و اننا، شئنا ام أبينا نعيش في مجتمع عالمي منفتح لا سيطرة لأحد فيه علي تدفق الأفكار بين البلاد و الثقافات و الأديان.

هذه مجرد تساؤلات، قد يكون بعضها يستحق التفكير. و هي ليست بأفكاري و لا هي بأفكار جديدة، لكنها أفكار تمناها المصلحون في أزمنة كثيرة و دائماً ما كانت تًُكفّر، فهل آن أوانها الآن في الاسلام؟  هل لنا من علماء و مثقفين يفتحون باب الفكر و الحوار، حتي و لو علي استحياء، للنقاش حولها؟

أمين المصري
٩ أكتوبر ٢٠١٣

Advertisements
This entry was posted in Egypt and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s